المقريزي
365
المقفى الكبير
نشأ بدمشق . كان أبوه أمير جاندار صاحب الروم . وقدم إلى مصر في الأيّام الظاهريّة سنة خمس وسبعين وستّمائة فيمن قدم من الروميّين ، ومعه ابنه حسين . وخدم الأمير حسام الدين لاجين أيّام كان نائب دمشق في الأيّام المنصوريّة قلاوون قبل سلطنته ، ونادمه في خلواته ، وخرج معه للصيد غير مرّة . فلمّا ولي السلطنة استدعاه إلى مصر وخلع عليه ، ثمّ أعاده إلى دمشق . واستدعاه مرّة ثانية وأنعم عليه بإمرة عشرة . فلمّا قتل لاجين وعاد الملك الناصر محمد بن قلاوون بعده إلى السلطنة مرّة ثانية ، استمرّ على إمرته . وسار مع الأمير آقوش الأفرم إلى دمشق صحبة الطلب . وأقام بدمشق على إمرة طبلخاناه . وأعجب به الأفرم ونادمه إلى أن فرّ من دمشق عند قدوم الملك الناصر محمد طالبا لأخذ السلطنة من الملك المظفّر بيبرس . فلحق بالسلطان ودخل معه ومع خواصّه . فجهّزه إلى الكرك ومعه الأمير تنكز حتى أحضرا الخزانة . وقدم معه إلى مصر ، فكان في طريقه إليها إذا مرّ مع السلطان بصيد ، أخذ الصقر وقال له : يا خوند ، إن كنّا نملك مصر فهذا الطير يأخذ هذه الرميّة - ويتحيّل فيرميه لا يخطئ ، ويقول : هذا بسعادة السلطان . فحلّ من قلبه محلّا كريما : فإنّه كان محظوظا في الصيد لا يكاد يفوته شيء منه بسائر أنواعه . فلمّا ملك مصر [ بعد ] فرار المظفّر ، أنعم عليه بإمرة مائة تقدمة ألف ، وأفرد له زاوية من طيور الجوارح ، فكان أمير شكار مع الأمير كوجري . وسافر مع السلطان إلى دمشق سنة ثنتي عشرة [ وسبعمائة ] وأقام بها حتى عاد السلطان من الحجاز ، لما أصابه من كسر رجله . فكان الأمير تنكز نائب الشام يحضر لزيارته وعيادته كلّ قليل . وقدم مع السلطان إلى مصر وحظي عنده ، وتوفّرت حرمته . وكان من خواصّ الأمير طغاي الكبير فحلا بقلوب الخاصّكيّة ، ولذلك سلم عند القبض على طغاي ، إلى أن كانت سنة إحدى وعشرين ، [ ف ] أخرج من مصر . وسبب ذلك أنّه أنشأ جامعا بجوار بيته خارج القاهرة على ضفّة الخليج من غربيّه بحكر جوهر النوبيّ ، وأنشأ على الخليج قنطرة تتّصل به من خطّ بين السورين ، وقصد فتح خوخة في السور ما بين باب سعادة وباب القنطرة يتوصّل منها إلى حارة الوزيريّة . فلم يمكّنه الأمير علم الدين سنجر المسروريّ متولّي القاهرة من ذلك [ 450 أ ] ، حتى استأذن السلطان في فتحها وأذن له . ففتح بابا كبيرا ، وعمل عليه رنكه وقال للمسروريّ : قد فتحت الخوخة على رغم أنفك ! - فامتعض [ 412 أ ] لذلك ، وقال للسلطان : إنّ أمير حسين قد خرق في سور القاهرة بابا نحو باب زويلة وعمل رنكه عليه وعمل سلطانا على البارد « 1 » . وما جرت عادة قطّ بفتح باب في سور المدينة « 2 » . فغضب من ذلك وأخرجه من يومه إلى دمشق على إقطاع الأمير جوبان وإمرته . ونقل جوبان إلى مصر . ثمّ أعاده إلى مصر ، فقدم يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين [ وسبعمائة ] وخلع عليه أطلس بطرز زركش وكلفتاه زركش وحياصة مكوسجة « 3 » ، وأنعم عليه بتقدمة الأمير بهاء الدين أصلم . فاستمرّ حتى مات يوم [ . . . ] سادس المحرّم سنة تسع وعشرين وسبعمائة ،
--> ( 1 ) على البارد : من غير تعب مثل قولهم : الغنيمة الباردة ، التي لا مشقّة في الحصول عليها ( النهاية والتاج في برد ) . وكأنّها هنا من كلام العامّة ، ولكنّها فاتت دوزي . ( 2 ) السلوك 2 / 215 . ( 3 ) هكذا في المخطوط ، ولم نفهمها .